الجمعة -
26 شعبان 1429 الموافق لـ : 29/29/2008
|
|
الصفحة الاساسية
> ثقافة
> ’’الخبر’’ في ضيافة بريزة السطايفية
’’الخبر’’ في ضيافة بريزة السطايفيةرحلة مع الفن من بيضا برج إلى لعقيبة
الاثنين 23/06/2008
- هيبة داودي
/ الخبر -
( فتحت لنا أبواب عشّها الدافئ واحتضنتنا بين ذراعيها.. خصتنا بحفاوة الترحاب، فكان ترحاب ’’السطايفية’’ الأحرار... بريزة استقبلتنا ببيتها والبسمة تعتري ثغرها الذي لم تفارقه قط مذ وصلنا، بخفة روحها المرحة المفعمة بحب الحياة وبرحابة صدرها وتواضعها وبساطتها.. أدخلتنا وجعلتنا نعيش وإياها بين صفحات الذّكريات، قاسمناها حنينها وشوقها فينة وصمتها وكلامها فينة أخرى.. أخذتنا
في رحلة عبر السلم الموسيقي.. حبها الأبدي وعشقها الأزلي للنوطة الموسيقة كانت ثمرته ولوج عالم كان لها بمثابة الحلم الصعب التحقيق.. حملتنا على بساط الموسيقى فكان الموال ’’السراوي’’ تارة والتونسي تارة أخرى.
لعل أول ما يشدك وأنت تلج غرفة الضيوف ببيت بريزة ذلك الإطار الكبير الذي تصدر عرض الحائط، إطار حمل أرق معنى للأمومة.. صورة ’’تينا’’ أو تنهنان ابنتها الكبرى، وهي في حضنها..’’تينا’’ أخذت جملة من تقاسيم وجه والدتها ووالدها عبد القادر طاجار.. بيت جمع بين النوطة الموسيقية والحركة المسرحية، فكانت اللمسة الفنية بين كل ركن من أركانه..
’’ودّعت بريزة وأهلها مسقط رأسها ’’بيضا برج’’ بضواحي سطيف وعمرها لا يتجاوز ثلاث سنوات، واستقرت بـ’’لعقيبة’’ الحي الشعبي ببلكور حيث ترعرعت وكبرت..’’ كنت فتاة شقية جدا ومرحة، فالكل يشهد لي بذلك، كنت لا أسكن بمكان حتى انتقل لآخر.. كالنحلة الدؤوب، أتذكر طفولتي وأنا بـ’’لعقيبة’’ التي حاكيت جدرانها.. كان الكل يحبني منذ صغري لخفة روحي ونشاطي’’.
كنت نجيبة لكنني توقفت عن الدراسة مجبرة
تركتنا بريزة مدة من الزمن وارتحلت بين طيات الزمن ثم عادت أدراجها وتأوهت..’’آه..على أيام لعقيبة وعلى أولاد ’’الحومة’’، أتذكر صباي وأنا أركض وألعب رفقة أترابي..حين كنا نتقاسم المأكل والمشرب.. وحين كان الذّكور يحموننا من الغرباء.. كنا بمثابة الإخوة الحقيقيين، حقيقة ذكرياتي في ’’لعقيبة’’ أحلى وأجمل ما أحمله بقلبي.. كان الكل يحب حبيبة ويبحث عنها، آه حبيبة هو اسمي الحقيقي.. لأنني كنت ذكية جدا ويعتمد علي في أشغال البيت سواء في غسل الأواني والثياب أو في نزع الغبار، وحتى في الغناء بصحن البيت’’.
سألناها عن أحوالها الدراسية في طفولتها فتزعزعت بداخلها نشوة الذكرى وقالت: ’’كنت تلميذة نجيبة ومتفوقة جدا في دراستي، وكنت دوما من بين أوائل الصف.. لطالما أحببت كراساتي وأقلامي وأحببت أيضا الغناء (تضحك)..أجل أحببته..لا بل همت به لدرجة أنني لم أكن لأفوت أي حفلة تقام بالمدرسة نهاية السنة، ليس باليد حيلة كنت أحب الغناء ولا أجد نفسي إلا وأنا أدندن، المهم بالنسبة لي هو تسلق الأدراج الموسيقية والأداء ما بين نوطاتها السوداء والبيضاء الموقعة على شتى الأزمان على حد سواء.. كان هذا قدري المحتوم’’.
دعتنا لشرب العصير وجالت بذاكرتها وهي تقول ’’لم أتمكن من مواصلة دراستي بعد أن تعرضت أختي الكبرى لحادث مرور، صدمت وأنا أتلقى الخبر، وكنت آنذاك في السنة الثانية من التعليم الثانوي وعلى أبواب الامتحانات.. تركت مقاعد الدراسة والتحقت ببيت أختي التي أصيبت بعاهة مستديمة، فتكفلت بأشغال المنزل وتربية أولادها، ولكنني لست نادمة على ذلك ’’قدر الله ما شاء فعل’’، كل شيء قضاء وقدر’’.
كنت أقلد ثلجة وزليخة
وهي تتحدث عن الغناء، تجعلك تحلق وإياها في السماء وتناغماته، بحنينها الخفي المتواري بين روحها المغمورة، بولعها للغناء الذي كاد يكون ضربا من المستحيل ’’صحيح لطالما غنيت وأفراد عائلتي بالبيت، وحلمت دوما بالولوج إلى ذلك العالم.. عالم توّج قائمة أحلامي الوردية، ولكن الأمر كان واحدا من المستحيلات السبع، لا نقاش فيه لأنه موضوع ’’طابو’’ لا يمكن لأحد الخوض في غماره. وبذلك فقدت كل أمل في أن أكون مغنّية في يوم من الأيام..(تضحك)، ولكن ’’لي مكتوبة في الجبين ما يمسحوها اليدين’’. وتضيف ’’لطالما استهوتني الأفلام الهندية، حيث كنت أتسمّر أمام الشاشة ولا أقوم من أمامها إلا وأنا أسرق رداء وحذاء ذو كعب عال لأمي، أقابل المرآة وأعيد تقليد كل ما رأيته’’.
وبصوت هاديء يحمل مذاق أحلى الذكريات تذكرت بريزة أول أغنية لها، وجعلتنا نعيش الذكرى معها ’’أتذكر ذلك اليوم الذي لم يكن أبدا كسائر الأيام الأخرى.. يوم فتحت لي فيه أبواب الأستديو وكنت ابنة العشرين ربيعا، خطوت أول خطوة وسجلت أول أغنية لي (يا بن عمي) كلمات وألحان الحاج عبد الرحمن قاسم، وكانت الأغنية في طبع (أياي).. الصحراوي البدوي’’.
أردت طرح سؤال ولكنها قاطعتني قائلة ’’أعلم ما يجول بذهنك تودين معرفة سر اختياري لهذا الطبع.. والسبب بسيط جدا، عائلتي كانت محافظة، وبهذا اخترت أسهل طريق للتسجيل ووجدت أن ’’الياي’’ لا يتطلب حصص تدريبية ولا تسجيلية كثيرة، وكنت مقابل ذلك أتذوق شتى الطبوع الموسيقية وأعشق سلوى ونورة وانهل من نهر روائع أم كلثوم.. ذات يوم وبينما كنت جالسة رفقة أفراد عائلتي حول الطاولة، وكانت الساعة تشير إلى الثانية زوالا حين أُذيعت أغنيتي وقدمها المذيع بقوله ’’نقدم لكم أغنية (يا بن عمي) للمطربة الناشئة بريزة’’، وهنا اهتز أخي - رحمة الله عليه- احتقن دمه وانتفخت أوداجه وسألني إن كنت المقصودة، ارتعبت من شدة الخوف ولكنني تحكمت بنفسي ونفيت الأمر وظللت على موقفي إلى أن زالت شكوكه’’.
’’أتعلمين لم أتنفس الصعداء إلا بعد أن اقترنت وأنا في الثالثة والعشرين من عمري بشريك حياتي عبد القادر والد ابنيّ تنهنان وأحمد باسم، إذ له الفضل الكبير في اقتحامي عالم الفن.. فقد كان متفهما جدا وساعدني كثيرا، وبعد زواجنا انتقلنا للعيش بفرنسا ومكثنا هناك ثلاث سنوات غنيت فيها بشتى المدن الفرنسية، حيث كنت أقلّد أغاني ثلجة وزليخة اللّتين كانتا مثلي الأعلى، وكانت الجالية الجزائرية تستمتع بذلك، ثم عدنا لأرض الوطن’’.
بين ’’الليلة عرسك’’ و’’الشخشوخة’’... تجد بريزة
كان شريط الذكريات يمر بسرعة في ذهن بريزة...’’ انطلاقتي الفعلية التي صنعت اسمي، كانت عند بلوغي سن الثلاثة والثلاثين، من خلال شريط ’’الليلة عرسك يا جميلة’’ والذي نزل السوق أيام كانت الجزائر تعيش فترتها العصيبة، وعلى الرغم من ذلك استطاع أن يعرف رواجا’’.
استأذنتنا لتحضر لنا فنجان قهوة واتجهت نحو المطبخ، أردنا الذهاب معها فلم تعارض.. وهناك اكتشفنا بريزة ربّة البيت، وبالمطبخ عرفنا حبّها لطبق ’’الشخشوخة’’ الذي تهواه.. أسمعتنا مقاطع من إحدى أغانيها بكلمات ’’اللّيلة اللّيلة اللّيلة عرسك يا جميلة..الليلة جينا جبينا مع حبابنا تلاقينا.. وتنهنان الزّينة زينة لبنات’’.
ما بين مكوثنا بالمطبخ وعودتنا إلى غرفة الضيوف عادت بنا بريزة إلى ’’مول الشاش’’ و’’عمار يا عمار’’ و’’جابولي المقياس’’ و’’طاح طاح الليل وجات الشمس تصبح’’.. التحق بنا عمي عبد القادر و’’تينا’’.. جلسا معنا وارتشفا فنجان قهوة..أغدقتنا بريزة بحفاوتها وكرمها وجعلتنا نتقاسم المأكل والمشرب..
رفضت الاستقرار بفرنسا أيام المحنة
أكد لنا زوجها في تلك الأثناء أن بريزة ليست مجرد مغنية وفقط، بل هي ربة بيت ممتازة لها لمستها الفنية على كل ما تقدمه وأنها زوجة حنون وأم رؤوف.
في حديث ’’تينا’’ لأمها اكتشفنا قوة العلاقة التي تربطهما ببعض، بريزة ليست أم (تينا) بل صديقتها وأختها..’’أمي هي صديقتي، علاقتي بها وطيدة..لا أخفي عنها شيئا وهي على إطلاع كامل بانشغالاتي، أحب أغاني أمي وأحفظ كل كلاماتها.. كما أنها ربة بيت ممتازة وأم حنونة جدا’’.
عادت بريزة بذاكرتها إلى الفترة العصيبة التي عاشتها البلاد، واسترجعت شريط الحفلات الفنية التي كانت تحييها آنذاك..’’ لم أكن أتوان أبدا عن التنقل في شتى الولايات الجزائرية، في وقت كاد فيه الناس ينسون رنّة النوطة الموسيقية وكاد لون الدم يطغى على مختلف الألوان الأخرى.. أتذكر أياما كنت أركب فيها سيارتي وآخذ ابنتي برفقتي..غنيت بالبويرة وباتنة وعنابة والشلف وعين الدفلى وبالكازيف و... في وقت فرض فيه حضر التجول، وشاركت حتى في قافلة الربيع، ورغم عديد الاتصالات والدعوات التي تلقيتها من أصدقاء بمدينتي مرسيليا وليون الفرنسية للالتحاق بهم والعيش بفرنسا إلا أنني رفضت ترك جمهوري ورائي’’.
وتحدثت بريزة عن استعدادها لإطلاق ألبومها الجديد، وسيضم أغاني للراحل محبوب باتي، وأخرى من التراث ’’السراوي’’ وكذا التونسي’’.
ودّعنا بريزة التي أبت إلا أن تعيد عادات وتقاليد جداتنا وأمهاتنا، وعطّرتنا بأحلى عطر ونحن نغادر منزلها.. وبخفة روح أرسلت سلامها لأسرة ’’الخبر’’.
هيبة داودي
/ الخبر
الرد على هذا المقال |